في سياق التحولات السريعة التي يشهدها التعليم العالي، لم تعد أي جامعة قادرة على الاستجابة بمفردها لجميع التحديات التي تواجهها. فالتدويل، والتحول الرقمي، وقابلية توظيف الخريجين، والابتكار البيداغوجي، والبحث التطبيقي، وضمان الجودة، والانفتاح على المحيط الإقليمي؛ كلها قضايا تتطلب تعاونات أكثر تنظيمًا واستدامة وطموحًا.
ومن هنا، أصبح العمل ضمن شبكة أو ائتلاف أو تحالف رافعة استراتيجية للجامعات. ولم يعد الأمر يقتصر على توقيع الاتفاقيات أو تنظيم حركيات ظرفية، بل يتعلق ببناء فضاءات عمل مشتركة قادرة على إنتاج تكوينات، ومشاريع، وأدوات، ومنهجيات وحلول مشتركة.
وبالنسبة للجامعات الجزائرية، تمثل هذه المقاربة فرصة مهمة لتعزيز القدرات المؤسسية، وتجميع الخبرات، وتحسين مرافقة حاملي المشاريع، وتمكين المؤسسات من الانخراط في ديناميكيات وطنية وإقليمية ودولية أكثر حضورًا ووضوحًا.
الانتقال من منطق المؤسسة المعزولة إلى منطق المنظومة البيئية
لم تعد الجامعة المعاصرة تعمل داخل حدودها فقط، بل أصبحت جزءًا من منظومة تجمع جامعات أخرى، ومخابر بحث، ومؤسسات اقتصادية، وجماعات محلية، ووزارات، ووكالات وطنية، وشركاء دوليين، وفاعلين من المجتمع المدني.
ويسمح العمل ضمن شبكة بتنظيم هذا التعقيد. إذ تستطيع المؤسسات تقاسم مواردها، ومقارنة ممارساتها، وبناء حلول مشتركة، وتجنب قيام كل جامعة بمفردها بتطوير أدوات أو إجراءات أو حلول سبق اختبارها في مؤسسات أخرى.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة في مجال التدويل. فخلية محلية، أو مصلحة للعلاقات الدولية، أو فريق مكلف بالمشاريع، يصبح أكثر فعالية عندما يستند إلى شبكة تضم نظراء، ومرجعيات، وحاملي مشاريع، وشركاء مؤسساتيين وأكاديميين.
ويصبح التحالف عندها فضاءً للتعلم الجماعي، يسمح بتداول المعلومات، وتثمين التجارب، والتعرف على الممارسات الجيدة، وتحويل المبادرات الفردية إلى ديناميكية مؤسسية.
نموذج أوروبي ملهم: تحالفات الجامعات
تُظهر التجربة الأوروبية أن العمل ضمن تحالفات أصبح محورًا رئيسيًا لتحول التعليم العالي. وتضم مبادرة «الجامعات الأوروبية» اليوم 73 تحالفًا وما يقارب 650 مؤسسة للتعليم العالي في مختلف أنحاء أوروبا، بهدف بناء تعاونات عابرة للحدود وعميقة في مجالات التكوين، والبحث، والابتكار، وحوكمة الجامعات.
ولا تقتصر هذه التحالفات على حركية الطلبة، بل تعمل على تطوير أحرام جامعية مشتركة بين الجامعات، ومسارات تكوين مشتركة، ووحدات دراسية مشتركة، وشهادات مصغرة، وأدوات رقمية مشتركة، ومشاريع بحثية، واستراتيجيات للابتكار الإقليمي.
وتُظهر هذه التجارب أن الجامعة يمكن أن تحافظ على ارتباطها القوي بمحيطها المحلي، وفي الوقت نفسه تنتمي إلى فضاء أوسع للتعاون. وهذه العلاقة بين الارتباط بالمحيط المحلي والانفتاح الدولي هي تحديدًا ما يمكن أن تستفيد منه الجامعات الجزائرية.
أمثلة ملهمة للتفكير في المستقبل
تُجسّد تحالف ECIU University مقاربة تركز على التحديات المجتمعية. فهو يربط بين المؤسسات الاقتصادية، وفاعلي المجتمع، والباحثين، والمتعلمين حول بيداغوجيا قائمة على التحديات، مع توفير مسارات أكثر مرونة وفرص للحصول على شهادات مصغرة. وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تضع الطالب في مواجهة مشكلات حقيقية، بالتعاون مع شركاء اقتصاديين واجتماعيين.
ويشكل تحالف CIVIS مثالًا آخر ذا أهمية خاصة بالنسبة للجامعات الجزائرية. فهو يقدم نفسه كجامعة مدنية أوروبية منفتحة على منطقة المتوسط وإفريقيا، وقد عمل على بناء تعاونات مع ست جامعات إفريقية من أجل تطوير أنشطة مشتركة في مجالات التكوين، والبحث، والابتكار، والمشاركة المجتمعية. ويُظهر هذا المثال أن التحالف يمكن أن يتجاوز الحدود الأوروبية وأن يبني جسورًا مستدامة مع الفضاءين الإفريقي والمتوسطي.
ويجمع تحالف Unite! تسع جامعات أوروبية حول الابتكار، والتكنولوجيا، والهندسة، والتحول الأخضر والرقمي. وهو يوضح كيف يمكن للمؤسسات بناء استراتيجية مشتركة حول مجالات تميز متقاسمة، مع تطوير تعاونات في التكوين، والبحث، وريادة الأعمال.
أما تحالف YUFE، فيقدم تجربة طلابية أكثر مرونة، تتيح للطلبة الاستفادة من عروض دراسية وأنشطة تقدمها عدة جامعات. ويُظهر هذا النموذج أهمية المقاربة التي لا يعود فيها الطالب معتمدًا فقط على العرض الأكاديمي لمؤسسته الأصلية، وإنما يصبح قادرًا على الاستفادة من بيئة أكاديمية أوسع.
ويُعد تحالف EPICUR بدوره مثالًا مهمًا، لا سيما بالنسبة إلى جامعة ستراسبورغ وشركائها. ويضم التحالف تسع جامعات أوروبية، ويوفر تجارب تعلم دولية حضورية أو عن بُعد أو هجينة، تجمع بين عروض عدة مؤسسات شريكة. كما يطور تعاونات بين الأساتذة والطلبة والموظفين حول تحويل ممارسات التكوين والبحث ونقل المعرفة. ويُظهر EPICUR كيف يمكن لتحالف أن يجمع بين الحركية المرنة، والابتكار البيداغوجي، وتعدد التخصصات، والبناء التدريجي لمجتمع جامعي أوروبي.
وأخيرًا، طوّر تحالف Una Europa برامج مشتركة، من بينها بكالوريوس أوروبي يتم تنظيمه بشكل مشترك من طرف عشر جامعات شريكة. ويبرز هذا المثال قدرة التحالفات على تجاوز التعاون المؤسسي التقليدي نحو تكوينات مشتركة حقيقية يتم تصميمها وبناؤها بشكل جماعي.
ما الذي يمكن أن تقدمه هذه التجارب للجامعات الجزائرية
لا تشكل هذه التجارب الأوروبية نماذج ينبغي نسخها بشكل آلي، وإنما تقدم مبادئ مفيدة للتفكير في تنظيم الجامعات ضمن شبكات.
المبدأ الأول هو تجميع الموارد والخبرات. إذ يمكن للمؤسسات تقاسم الكفاءات، والأدوات، والتكوينات، وجهات الاتصال الدولية، ونماذج المشاريع، والتجارب المستخلصة.
والمبدأ الثاني هو التخصص التكميلي. فليس من الضروري أن تقوم جميع الجامعات بالأشياء نفسها. إذ يسمح التحالف لكل مؤسسة بتقديم نقاط قوتها، سواء في البحث العلمي، أو الهندسة البيداغوجية، أو الرقمنة، أو ريادة الأعمال، أو اللغات، أو قابلية التوظيف، أو الابتكار الإقليمي، أو العلاقات مع المؤسسات الاقتصادية، أو الخبرة الإدارية.
أما المبدأ الثالث فهو الارتقاء بالجودة. فالعمل ضمن شبكة يفرض توضيح الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، وتوحيد الممارسات، وإنتاج نتائج واضحة وقابلة للقياس. وبالتالي، فهو يساهم في مسار ضمان الجودة وفي الحوكمة القائمة على البيانات.
ويتمثل المبدأ الرابع في الأثر. فقد تتمكن جامعة منفردة من تنفيذ أنشطة مفيدة، لكن شبكة منظمة يمكنها إحداث آثار أوسع على مستوى التكوين، والبحث العلمي، والإدماج المهني، والأقاليم، والظهور الدولي لمنظومة التعليم العالي.
بناء ثقافة التحالف
لكي يعمل عدد من المؤسسات ضمن شبكة، لا يكفي جمعها حول طاولة واحدة. بل يجب بناء ثقافة مشتركة تقوم على أهداف موحدة، وقواعد عمل واضحة، وتوزيع محدد للأدوار، وأدوات للمتابعة، وفضاءات للتنسيق، وقدرة على تثمين النتائج والاستفادة منها.
وفي السياق الجزائري، يمكن للخلايا المحلية أن تلعب دورًا محوريًا في هذه الديناميكية. إذ يمكن أن تصبح نقاط ارتكاز لتحديد المشاريع، ومرافقة الفرق، وتسهيل تداول المعلومات، وتوثيق الاحتياجات، ومتابعة الفرص، وتعزيز التعاون بين المؤسسات.
وتصبح الشبكة عندها أداة للتحول، تسمح بالانتقال من مشاريع متفرقة إلى استراتيجية جماعية، ومن المعلومات غير الرسمية إلى التثمين المنهجي للتجارب، ومن المبادرة الفردية إلى العمل المؤسسي.
جامعة أكثر انفتاحًا ومرونة وحضورًا
لا يعني العمل ضمن شبكة فقدان المؤسسة لهويتها. بل على العكس، فالجامعة التي تتعاون مع غيرها تعزز قدرتها على العمل، وحضورها، وجاذبيتها. كما تصبح أكثر قدرة على تثمين خبراتها، والوصول إلى شركاء ذوي جودة، وتطوير مشاريع أكثر طموحًا، وتوفير مسارات أكاديمية أكثر انفتاحًا لطلبتها.
وبالنسبة للجامعات الجزائرية، تكتسي هذه المقاربة أهمية أساسية. فهي تساهم في تعزيز التدويل، ودعم حاملي المشاريع، وتقوية الكفاءات الداخلية، وربط المؤسسات بشكل أفضل بالتحديات العلمية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
وسيتشكل مستقبل الجامعة بشكل أقل فأقل في إطار العزلة، وبشكل متزايد من خلال التعاون. وتُظهر التحالفات الأوروبية ذلك بوضوح: فقوة الجامعة لم تعد تعتمد فقط على مواردها الخاصة، وإنما أيضًا على قدرتها على العمل مع الآخرين، والتعلم ضمن شبكة، وإنتاج القيمة بشكل جماعي.
ما ينبغي تذكره
يشكل العمل ضمن شبكة اليوم رافعة رئيسية لتحول الجامعة. فهو يسمح بتجميع الخبرات، وتعزيز الجودة، وتوسيع الفرص المتاحة للطلبة، ودعم البحث العلمي، وبناء مشاريع دولية أكثر قوة.
وبالنسبة للجامعة الجزائرية، لا يتمثل التحدي فقط في المشاركة في الشبكات القائمة، بل في بناء ديناميكيات تحالف خاصة بها: بين المؤسسات، ومع الأقاليم، ومع الشركاء الدوليين، ومع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

