PE وGAR وPPPE: ثلاثة روافع لحوكمة استراتيجية، منسجمة وموجهة نحو النتائج
مشروع IPTICAR: حوكمة وتسيير ومرافقة مؤسسات التعليم العالي
في إطار المشروع الأوروبي IPTICAR، تنخرط المؤسسات الجزائرية في ديناميكية هيكلية ترتكز على ثلاثة إصلاحات جزائرية رئيسية ومتكاملة بشكل عميق، وهي: مشروع المؤسسة (PE)، والتسيير القائم على النتائج (GAR)، والمشروع المهني والشخصي للطالب (PPPE).
غالبًا ما يتم تقديم هذه المقاربات بشكل منفصل، باعتبارها أدوات مستقلة تنتمي إلى مجالات مختلفة: الاستراتيجية المؤسساتية بالنسبة إلى PE، والتسيير والتقييم بالنسبة إلى GAR، والمرافقة البيداغوجية والتوجيه بالنسبة إلى PPPE. غير أن أحد التحديات الرئيسية لمشروع IPTICAR يتمثل تحديدًا في إظهار أن هذه الأدوات تحقق معناها الكامل عندما يتم التفكير فيها بشكل متكامل.
يحدد مشروع المؤسسة الاتجاه العام. فهو يتيح للجامعة أو المدرسة تحديد هويتها وأولوياتها وموقعها وطموحاتها ومساهمتها في تنمية إقليمها. كما يجيب عن سؤال أساسي: من نحن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ وما هو التحول الذي نريد تحقيقه؟
وينقل التسيير القائم على النتائج (GAR) المؤسسة من النية إلى الفعل. فهو يساعد المؤسسات على ترجمة أهدافها الاستراتيجية إلى نتائج متوقعة، ومؤشرات، وإجراءات ملموسة، وآليات للمتابعة. كما يرسخ ثقافة التسيير والقيادة القائمة على الأدلة، والتعديل المستمر، والمسؤولية الجماعية، ويجيب عن سؤال محوري آخر: كيف نعرف أننا نتقدم فعليًا نحو الأهداف التي حددناها؟
أما المشروع المهني والشخصي للطالب (PPPE)، فيجسد هذا التحول على مستوى المسارات الفردية للطلبة. ففي إطار IPTICAR، لا يُعد PPPE مجرد أداة للتوجيه الفردي، بل يمثل في الوقت نفسه رافعة للحوكمة وأداة بيداغوجية هيكلية تربط المشروع الجماعي للمؤسسة بالمسارات الفعلية للطلبة. وهو يطرح سؤالًا حاسمًا: كيف يمكن لكل طالب أن يبني مستقبله داخل مؤسسة تضطلع بشكل كامل بمهمتها في المرافقة والانفتاح والتأهيل المهني؟
ومن ثم، فإن الانسجام بين هذه الأدوات الثلاث أمر أساسي. فمشروع مؤسسة من دون GAR قد يبقى مجرد وثيقة استراتيجية تفتقر إلى قدرة حقيقية على المتابعة. وGAR من دون مشروع مؤسسة قد يؤدي إلى إنتاج مؤشرات منفصلة عن أي رؤية مشتركة. أما PPPE الذي لا يرتبط بالحوكمة المؤسساتية فقد يظل مبادرة بيداغوجية معزولة، تعتمد على المبادرات الفردية. أما عندما يتم الربط بين هذه الأدوات، فإنها تخلق ديناميكية قوية للتحول.
مشروع المؤسسة (PE) يحدد الرؤية.
التسيير القائم على النتائج (GAR) ينظم عملية القيادة والتسيير.
المشروع المهني والشخصي للطالب (PPPE) يجسد هذه الرؤية في مسار الطالب.
وهذا هو الترابط الذي نسعى إلى تعزيزه في إطار IPTICAR. فالهدف ليس إضافة آليات جديدة، وإنما مساعدة المؤسسات على بناء منطق متكامل يقوم على: استراتيجية واضحة، وتسيير مفهوم، ونتائج قابلة للقياس، واهتمام متجدد بمسارات الطلبة.
وتزداد أهمية هذا الانسجام بالنظر إلى الدور المركزي الذي أصبحت مؤسسات التعليم العالي مطالبة بالاضطلاع به في مجالات الابتكار، والتدويل، والتأهيل المهني، والتنمية الإقليمية. وبالتالي، فإن الإصلاحات التي يرافقها IPTICAR ليست مجرد إجراءات إدارية، بل تدعو إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تستشرف بها المؤسسات مستقبلها، وتدير شؤونها، وتتفاعل مع محيطها، وتُعد طلبتها لمواجهة المستقبل.
ويجسد PPPE هذه الطموحات بشكل خاص. فمن خلال تجميع تطلعات الطلبة ومشاريعهم واحتياجاتهم ومساراتهم، يصبح مصدرًا مهمًا للمعلومات بالنسبة إلى الحوكمة، إذ يتيح فهمًا أفضل لانتظارات المستفيدين، وتكييف عروض التكوين، وتطوير شراكات ملائمة، وترسيخ الانفتاح الدولي ضمن المسارات. وعلى المستوى الفردي، يساعد كل طالب على تحديد كفاءاته، وفرصه في التنقل الدولي، وآفاقه المهنية، والمراحل الضرورية لبناء مشروعه المستقبلي.
وهكذا، يربط PPPE بين مستويين غالبًا ما يتم التعامل معهما بشكل منفصل: المؤسسة والطالب. فهو يذكرنا بأن المؤسسة لا تتحول فقط من خلال وثائقها الاستراتيجية، وإنما أيضًا من خلال الطريقة التي ترافق بها بشكل ملموس الأشخاص الذين يشكلون مكوناتها.
وفي إطار IPTICAR، فإن مرافقة PE وGAR وPPPE تعني إذن مرافقة التحول نفسه من خلال ثلاثة أبعاد متكاملة: الرؤية، والتسيير، والمسارات. وهي تعني مساعدة المؤسسات على الانتقال من منطق التسيير إلى منطق المشروع، وتعزيز قدرتها على العمل والقياس والتعلم والتكيف. كما تعني التأكيد، في نهاية المطاف، على أن النجاح المؤسساتي ونجاح الطالب ليسا هدفين منفصلين، وإنما وجهان لطموح واحد.
ومن خلال هذه الإصلاحات الثلاثة، يساهم IPTICAR في ترسيخ ثقافة حوكمة أكثر استراتيجية وتعاونًا وتوجهًا نحو النتائج؛ ثقافة تتيح لكل مؤسسة توضيح هويتها، وتسيير أولوياتها، وتثمين نقاط قوتها، ومعالجة نقاط ضعفها، وتحسين مرافقتها لطلبتها في عالم يشهد تغيرات متسارعة.
وبالتالي، فإن مشروع المؤسسة (PE)، والتسيير القائم على النتائج (GAR)، والمشروع المهني والشخصي للطالب (PPPE) ليست ثلاثة أوراش متوازية، بل تشكل ثلاثية متكاملة ومنسجمة في خدمة طموح مشترك: مؤسسات أكثر وضوحًا ومسؤولية وانفتاحًا، وأكثر قدرة على مرافقة المسارات الفردية والجماعية بشكل مستدام.

